
عهد أبي بكر كان مثال الرئيس المتواضع الذي تملأ الإنسانية قلبه ونفسه، فإذا هو وهو خليفة، يأتي لبنات الحي ممن فقدن آباءهن في الحروب فيحلب لهن غنمهن ويقول: أرجو أن لا تغيرني الخلافة عن خُلق كنت أعتاده من قبل.
وكان عمر مثال الخليفة الغيور على الشعب البار بالضعفاء، الشديد في الحق، الناس عنده سواء، بل يحرم نفسه ليعطي الناس، ويجوع ليشبعوا،
وكان يتفقد الناس في بيوتهم ومنازلهم وقصصه في ذلك مشهورة ومعروفة.
رأى مرة في السوق شيخاً كبيراً يسأل الصدقة فقال له: ما أنت يا شيخ؟
قال: أنا شيخ كبير أسأل الجزية والنفقة، وكان يهودياً من سكان المدينة.
فإذا بعمر الإنساني العظيم يقول له: ما أنصفناك يا شيخ. أخذنا منك الجزية شاباً ثم ضيعناك شيخاً.
وأخذ بيده إلى بيته ففرض له ما كان من طعامه.
ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول: إفرض لهذا وأمثاله ما يغنيه ويغني عياله!..
ومشى عمر مره في سكك المدينه فاذا بصبيه تطيش هوالا تقوم مره وتقع اخرى
فقال عمر : ياحوبتها! يابؤسها! من يعرف هذه منكم؟
فقال ابنه عبدالله : أما تعرفها يا امير المؤمنين ؟
قال :لا
قال : هذه احدي بناتك!
قال عمر :و اي بناتي هذه؟
قال : هذه فلانه بنت عبدالله بن عمر (اى ابنته)
فقال عمر: ويحك وماصيرها الى ما ارى؟
قال له ابنه: منعك ماعندك
فقال عمر: انك والله مالك عندي غير سهمك فى المسلمين وسعك او اعجزك ! هذا كتاب الله بيني وبينكم
وقدمت الى المدينه قافله من التجار وفيها النساء والأطفال
فقال عمر لعبدالرحمن بن عوف : هل لك ان تحرسهم هذة الليله ؟
فباتا يحرسانهم ويصليان ماكتب الله لهما ،
فسمع عمر بكاء الصبي فتوجه نحوه وقال لأمه : اتقي الله وأحسني الى صبيك ثم عاد الى مكانه ،
فسمع بكاءأ فعاد الى امه فقال اتقي الله وأحسني الى صبيك ثم عاد الى مكانه ،
فلما كان من اخر الليل سمع بكائه فأتى امه فقال : ويحك اني لأراك ام سوء ! مالي ارى ابنك لا يقر منذ الليله ؟
قالت وهي لاتعرفه انه امير المؤمنين : ياعبدالله لقد ابرمتني منذ الليله ! اني اريقه عن الفطام فيأبى ( أي أحمله عن الفطام كرها فيأبى )
قال ولم؟
قالت لانه عمر لا يفرض معاشا الى للفطيم ( أي لا يعطي للاباء عن اولادهم الا من فطم )
قال وكم له قالت كذا وكذا شهرا
قال ويحكي لاتعجليه
فصلى الفجر ولا يستبين الناس قراءته من غلبه البكاء
فلما سلم قال : يابؤسا لعمر كم قتل من اولاد المسلمين ..
ثم امر مناديا فنادى ألا تعجلو صبيانكم عن الفطام فانا نفرض لكل مولود في الاسلام وكتب بذلك الى الافاق .
ولعمرى مايروي التاريخ اروع ولا ابلغ من هذه الحادثه
وما فى حضارات الامم كلها مايعدل روعه عمر فى ديموقراطيته اذ اخذ بنفسه يسهر على القافله واصحابها نيام وهو يومئذ أمير المؤمنين – أي قاهر كسرى وقيصر ووارث ملكهما – يفعل مالا يفعله اليوم الا حارس طلب اليه ان يحرس مثل هذه القافله
وهيهات مع هذا ان يفعل مثل مافعل عمر ان يتنبه للطفل يبكي ويطلب الى الام ان ترعى ولدها ثلاث مرات
من منا يفعل فعل عمر مع اولاد القافله ؟
من من عظماء التاريخ قارب عمر فى شعوره الانسانى العظيم؟
ولنستمع إلى ما هو أروع من هذا في تاريخ حضارتنا..
حدث أسلم خادم عمر قال: خرجت مع عمر ليلة وبعدنا عن المدينة ونحن نتفقد أهل المنازل النائية، فبصرنا بنار من بعيد
فقال عمر: إني أرى هاهنا ركباناً قصّر بهم الليل والبرد، انطلق بنا،
فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاعون (أي يتصايحون ويبكون)
فسلّم عمر ثم سأل المرأة ما بالكم؟
قالت: قصر بنا الليل والبرد،
قال وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟
قالت: الجوع،
قال: وأي شيء في القدر؟
قالت :ماء أسكتهم به حتى يناموا.. والله بيننا وبين عمر! (تشكو عمر وتدعو عليه)
فقال: أي رحمك الله وما يُدري عمر بكم؟
قالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا؟
فأقبل عليَّ فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلاً من دقيق، وكبة من شحم، وقال: احمله عليّ،
قلت: أنا أحمله عنك
قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة لا أم لك؟!
فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئاً،
فجعل يقول لها: ذري علي وأنا أحرُّ لك،
وجعل ينفخ تحت القدر وكانت لحيته عظيمة، فرأيت الدخان يخرج من خلال لحيته حتى طبخ لهم،
ثم أنزلها وقال: أبغني شيئاً، فأتته بصفحة فأفرغها فيها،
فجعل يقول لها أطعميهم وأنا أسطح لهم (أبسطه حتى يبرد)،
فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فضل ذلك
وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً، كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين!
فيقول: قولي خيراً، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله!
ثم تنحى ناحية عنها، ثم استقبلها فربض مربضاً، فقلت له: لك شأن غير هذا؟
فلا يكلمني، حتى رأيت الصبية يصطرعون، ثم ناموا وهدأوا.
فقام يحمد الله، ثم أقبل علي فقال: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيتَ.
و من هذا النمط الانساني الفذ في تاريخ الانسانيه ماوقع لعمر ايضا ذات ليله اذ كان على عادته يتفقد الناس فمر برحبه من رحاب المدينه فاذا ببيت شعر ينبعث منه انين امراه وعلى بابه رجل قاعد فسلم عليه عمر وسأله من هو؟
فأجابه بأنه رجل من البادية جاء يصيب من فضل أمير المؤمنين،
فقال عمر: ما هذا الصوت الذي أسمعه في البيت؟
قال الرجل، وهو لا يدري أنه عمر أمير المؤمنين: انطلق (رحمك الله) لحاجتك ولا تسأل عما لا يعنيك، فألح عليه عمر يريد معرفة الأمر فأجابه: امرأة تمخض ـ أي على وشك الولادة ـ وليس عندها أحد،
فعاد عمر إلى منزله وقال لامرأته أم كلثوم بنت علي -رضي الله عنه-:
هل لك في أجر ساقه الله إليك؟
قالت: وما هو؟ فأخبرها الخبر وأمرها أن نأخذ معها ما يحتاج إليه الوليد الجديد من ثياب وما تحتاج إليه المرأة من دهن، وأن تأخذ معها قدرا وتضع فيه حبوبا وسمنا.
فجاءت به فحمل القدر ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت
وقال لامرأته ادخلي إلى المرأة وجلس هو مع الرجل وأوقد النار وطبخ ما جاء به والرجل جالس لا يعلم من هو!
وولدت المرأة فقالت زوجة عمر من داخل البيت: بشر يا أمير المؤمنين صاحبك بغلام!!
فلما سمع الأعرابي ذلك علم أنه مع أمير المؤمنين، فكأنه هابه، فأخذ يبتعد عنه!
وعمر يقول له: مكانك كما أنت، ثم حمل القدر وأمر زوجته أن تأخذه لتطعم المرأة، فلما أكلت ناول الرجل القدر وقال: كل ويحك فإنك سهرت الليل كله...
ثم خرجت زوجته وقال للرجل: إذا كان غدا فأتنا نأمر لك بما يصلحك، فلما أصبح أتاه ففرض لابنه في الذرية وأعطاه... !
أما إنى لا اعلم في كل ماقرات من تاريخ العظماء أروع ولا انبل ولا اسمى انسانيه من مثل هذه الحادثه
ولقد ذكروا في تاريخ واشنطن محرر امريكا أنه كان مارا ذات يوم في بعض شوارع المدينه التى سميت باسمه فراى بعض الجنود يحاولون رفع حجر ويعجزون عن ذلك والضابط واقف لا يحاول اعانتهم
فقال له واشنطن ساعدهم على حمله
فابي الضابط وقال : انى لا اتنازل الى هذا
فالقى واشنطن رداءه وساعدهم حتى حملوا الحجر
ثم قال لهم: كلما احتجتم الى مساعده فاسالوا عن دار واشنطن
انها نادره تدل على خلق عظيم
ولكن اين هذا مما صنع عمر اذ ترك فى الليل نومه وراحته واخذ يفتش عن شعبه فلما علم بامراه حامل على وشك الولاده وليس لها من يساعدها عاد الى بيته واحضر زوجته وسارا معا فى ظلام الليل
هو يحمل الطعام وهى تحمل الثياب حتى وصلا الى الخباء فقامت زوجته – وهى في تعبيرنا الحديث سيدة الدولة الاولى – مقام القابله وقام هو مقام الطاهي.
أين مثل هذا في سمو النفس الانسانيه التى بلغت مالم يبلغه رئيس على وجة الارض؟
انها احدي عظمات عمر
وهى احدى روائع حضارتنا التى صاغت من عمر بن الخطاب ابن الصحراء انسانا يقف على راس قمة العظماء كما تقف حضارتنا في مقدمة الحضارات.
وبعد فليس عمر وحده هو الذي صنعته حضارتنا رجلاً يمثل الإنسانية الكاملة الرحيمة،
ففي أبي بكر وفي عثمان وفي علي وفي عمر بن عبد العزيز وفي صلاح الدين وفي غيرهم من علماء حضارتنا وعظمائها وقادتها وعبّادها وفلاسفتها،
في كل واحد من هؤلاء مثلٌ خالد على سمو النزعة الإنسانية في حضارتنا الخالدة
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire