دأب النظام المغربي للأسف على توريط عديد الفاعلين السياسيين والإعلاميين من المغرب وخارجه في ملف القضية الصحراوية، والزج بهم في متاهات اللاشرعية واللامعقول.
فقد جمع الأحزاب السياسية المغربية حول اكبر حماقة ارتكبها في مطلع السبعينات، وهو يلتقط أنفاسه بعد محاولة الصخيرات، وكان عليه أن يعاقب القوات المسلحة المغربية وينكل بضباطها الأحرار ما بين معدم ومعتقل ومفقود، ليجعل من الصحراء الغربية مقابر للجنود، بينما جعل من الساسة بجل تلاوينهم جوقة من "بني وي وي" كما قال الصحفي انزولا في احد مقالاته الأخيرة.
" بني وي وي" هؤلاء تناسوا المشاكل الحقيقية للمغرب، وهاهم يدورون في لعبة خاسرة أصلا، يكررون سيمفونية مضحكة في حلقاتهم الروتينية كأن يكرر كل واحد منهم بشكل مخجل ما يسمونه بمغربية الصحراء أو الإجماع حول "الوحدة الترابية"، كأن المغاربة المساكين لم يجدوا عبر التاريخ ما يوحدهم قبل 1975.
إلا أن الجديد في سياسة "الورطة" أو على الأرجح في دبلوماسية "الورطة" هو مكر النظام المغربي في إضافة عناصر جديدة للعبة، فما حصل مع الناشطة الحقوقية البطلة امينتو حيدار التي نفيت بشكل جنوني وغير مدروس، نم عن صبيانية هذا النظام وغباوته السياسية كما يشهد بذلك محللون مغاربة، إلا أن المكر هنا كان من خلال دفع اسبانيا في محاولة احتواء مشكل امينتو الذي تحول إلى أزمة دولية جعلت المجتمع الدولي أمام امتحان للضمير والأخلاق، وجعلت اسبانيا تضع مصداقيتها في رهانات بليدة أمام رأيها الوطني وخاصة أمام ناخبي الحزب الاشتراكي الحاكم الذين يشكل جلهم الحركة التضامنية الاسبانية والدولية مع الشعب الصحراوي المكافح.
يكرر النظام المغربي محاولاته في جو من الهستيريا ومحاولات لفت الرأي العام عن الأزمة التي مرغت انف العرش في التراب.
وتحت مبرر الأزمة الاقتصادية العالمية، والعزف على وتر الفقر والعوز الحساسين في إفريقيا، استضاف ندوة المدن الإفريقية عاملا على استرجاع قارة خسرها منذ عقود خلت، أو على الأقل خلق الغموض أمام الأفارقة الذين يحاولون التأقلم مع أوضاع ما بعد الأحزاب الأحادية، والانفتاح على فلسفة المجتمع المدني المتنوع بآرائه واتجاهاته ومناهجه، متناسيا أن حل مشاكل إفريقيا يكمن في الحكم الراشد لأنه وحده القادر على النهوض بها من تراكمات الصراعات الإثنية والنزاعات على السلطة وكل مخلفات الاستعمار، ووحده يبقى فرصة لكل الأفارقة عبر اختيارات ديمقراطية سليمة وشراكة موضوعية واستثمار اقتصادي شفاف من اجل تنمية شاملة ومستدامة، ومهما يكن فهذا النوع من المبادرات المغربية لا يخرج عن كونه الجري بعناء لإفشال فعاليات ناجحة تموقعت فيها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كالاتحاد الإفريقي وندوة المدن المتوأمة والمهرجان العالمي للسينما وغيرها.
وعلى كل حال يورط المغرب مؤخرا مجموعة من السفراء من خلال جولة ترفيهية في مدينة الداخلة المحتلة، وما يهمنا، للأسف هنا هو مشاركة موريتانيا "المحايدة" في الصراع الصحراوي المغربي عبر سفيرها الموقر بالرباط. ويهمنا ذلك لأننا نهتم بموريتانيا أكثر من غيرها، فهي البلد الشقيق والجار الذي نتقاسم معه أكثر مما نتقاسم مع غيره من بلدان الجوار.
فموريتانيا بعد التصحيح الذي قام به فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز تخطو خطوات واعدة نحو العدالة ومحاربة الفقر وترسيخ مؤسسات الدولة رغم ما يحيط بذلك من مصاعب، كل ذلك يجعلنا نحس بالثقة في المستقبل خاصة إذا ما استطاعت موريتانيا الخروج من الحياد السلبي إلى الدور الايجابي كجارتها الجزائر... ولماذا لا؟
إلا أن زيارة سعادة سفير موريتانيا وحرمه إلى المدينة المعذبة تحت أنوار البهرجة الكاذبة، المسيجة بآلاف الفقراء المغاربة الباحثين عن لقمة عيش وراء حدودهم، الرافلة في وحل الاحتلال الهمجي، كانت أي الزيارة توريطا خبيثا لموريتانيا والذي يدخل في سياق البحث كل مرة عن ضحية تحمل عنه أوزار ونكد قضية الصحراء الغربية كما فعل باسبانيا مؤخرا.
فالأضواء والمواكب الجميلة الراسية على مرافئ "فيلا سينسيروس" المكممة أفواه أهلها بفعل البوليس والجندرمة ولمخازنية، لا تعبر عن نماء ورخاء بقدر ما تعبر عن غش واحتيال استعماريين على حساب حقوق شعب لن تبهره جولات سياحية خارج المنطق.
فهل تساءل السفراء الضيوف عن وضع أمينتو حيدار التي كانت تخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام بمطار لانثاروطي الاسباني، أو عن ما بعد دخولها للعيون المحتلة وهي تواجه أنواعا من الحصار الإعلامي والعسكري والبوليسي؟
فانتم يا سعادة سفير موريتانيا الشقيقة، تبقون معنيون أكثر من غيركم، فنحن إن لم نلم موريتانيا لأنها لم تتكلم عند ما كانت امرأة بيظانية تلف جسدها النحيل بملحفتها في المطار المذكور، فلأننا نحس بقلب موريتانيا النابض بالمحبة والنخوة والتضامن والغيرة علينا لأننا نصفكم حتى وإن لم يقلها الساسة والإعلاميون أو "جحدوها عن روسهم"، ولسنا مستعجلين أبدا على دور يخترق الجمود المنمق بالمصالح غير الإستراتيجية لموريتانيا في المغرب.
لكن، ما نطلبه نحن الصحراويون هو احترام مشاعر أهالينا بالمدن المحتلة، فأرض المغرب وفق الحدود الموروثة عن الاستعمار واسعة للسياحة وللسياسة وللترفيه وللمصالح، بينما تبقى الصحراء الغربية مستعمرة لم تخضع بعد لتصفية الاستعمار وهي في أجندة الأمم المتحدة منطقة نزاع، وكل خطوة خارج الحياد الحقيقي- إن بقى منه شيء تعتبر استفزازا لشعب لا يريد أن "يكسر ش" لموريتانيا.
فكل واحد منا، والله على ما اقول شهيد- يحاول بطريقة ما استئصال "صورة مشوهة" لموريتانيا، التقطتها ذاكرته وهو طفل أو شاب أو حتى شيخ هرم لزحف جيش يتكلم الحسانية مثلنا وتلبس نساؤه الملاحف مثلنا، ويلبس رجاله الدراعة مثلنا، ويتذوق الشاي على أوتار سمر بيظاني لا يدرك غيرنا عمقه ونكهته خاصة عندما تتسلل "سليكات الهول" من حناجر مبدعة، يومها مات "فاغو" على شفاه منشديه منا ومنكم، لأن الخسارة شاملة ولأن الدم المتدفق واحد حتى وإن اختلفت مقاصده بين الاحتلال والشهادة.
فدعونا نلملم الجرح بصدق دون أن نلتفت إلى الوراء، ودعونا نحلم بوحدة مغاربية قد يكون دورنا فيها كصحراويين وموريتانيين أساسيا لأسباب اجتماعية وثقافية ودينية ربما لا تتوفر في غيرنا.
دعونا نكسر اتفاقية مدريد المشؤومة بفعل تواصلنا الأبدي، فقد كسرتها القلوب قبل أن تكسرها المدافع، وكفى جريا خلف وعود قزمية لنظام متعفن محكوم عليه بالزوال وعلى أفكاره الجشعة الظالمة، وعلى موريتانيا أن تقف بعد كل كبواتها شامخة ترنو إلى الأمام غير مشدودة ببقايا عقد ماضية تمليها إرادة التوسعيين المغاربة الحالمين دوما بموريتانيا مغربية.
وليحذر الأشقاء الموريتانيون من ورطات تفنن فيها المغرب وليتساءلوا لماذا موريتانيا بالضبط؟ وأين التاريخ ودروبه؟

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire